عن أي معالم نتحدث: توطئة

المعلم والعلم مرتبط بالطريق، فهم الإشارات على درب التاريخ والهوية، والحديث عنهم يثير مسألة الهوية بكل أبعادها. وبعيدا عن الفلسفة والتنظير العميق نطرح السؤال البسيط التالي: هل الجزائر رومانية أم وندالية أم عربية أم فرنسية أم أمازيغية أم ماذا؟ وهل معابد الرومان من معالمنا؟ وهل ضباط ومفكروا المستدمر الفرنسي من أعلامنا؟ ألم يمروا بأرضنا ومنهم من دفن بها؟
والجواب عنه ليس بالهين، لأن التأصيل في هذه المسألة التاريخية أجاد فيه أهل الاختصاص ممن هو خير مني. ولكني هنا أتكلم بلسان المواطن الجزائري البسيط خريج التعليم الوثيق العرى بالمجتمع ونتاج تكوين مؤسسات المجتمع العميق من مسجد أصيل وأسرة بسيطة عريقة. هذا الجزائري الذي يعتبر فرنسا مرحلة من التاريخ لا ينتمي إليها إلا كقطعة من العذاب أحس فيها بسلخه عن جذوره فقاوم ذلك بكل الوسائل حتى تخلص منها برجوعه للعروبة والأمازيغية والإسلام. وإلا؟ لماذا حاربنا فرنسا وأخرجناها من بلدنا إذا كانت الثقافة الفرنسية مكونا أصيلا فينا؟
إن الأعلام والمعالم الجزائرية هي ما كان متوافقا مع أصولنا مدافعا عنها مساهما في تطويرها وترقيتها منسجما مع روح الأسرة العريقة متمسكا بقيمنا وعاداتنا. وفي المشاركات اللاحقة سنحاول بيان كل هذا بنوع من التبسيط والإجمال.

قراءة في مسيرة الأمير عبد القادر

يعتبر الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية ورمز الشخصية المعنوية التي يرتكز عليها الكيان الوطني المعاصر. ومسيرته في البناء والتنظيم جديرة بالنظر والتحليل لاستلهام العبر وتربية النشئ على قيم الزعامة الحقيقية والقيادة الراشدة والقدوة الحسنة.
قد يتبادر للذهن عند مطالعة السيرة الذاتية للأمير كيف أن محطات حياته تباينت بين الحرب والسلم، وبين العزلة والقيادة، وبين الفكر والفروسية والخيل، وهي كلها معالم في طريق القيادة وإن كانت في ظاهرها متباينة، إلا أنها في باطنها تحيلنا إلى أسرار التكوين العالي الذي كان عليه الأمير، والنظرة البعيدة والعميقة للأمور. من هنا نجد أن القيادة والزعامة والقدوة ينبغي أن تنطلق من أسس راسخة وصحيحة تتمثل في:
المعرفة الصحيحة للذات: وهي أساس الاتزان الداخلي للفرد، فتحقيق العبودية في النفس، وإدراك حقيقة الوجود والحكمة من الحياة هي الدعامة الرئيسة لكل ما بعدها. وهنا نجد الأمير الصوفي المتعبد المفكر.
البناء القويم للذات: فتعلم الفروسية والتحكم في مهارات العصر من علوم وفنون هو ما يمكن الشخصية المتزنة من تحقيق أهدافها في الحياة وعمارة الأرض كما أراد الله لنا. وهنا نجد الأمير الفارس العالم الفقيه.
المعرفة الصحيحة للواقع: وبما أن الفرد ينتمي إلى بيئة وإلى عصر معين، وهو ما يجعل هامش تحركه محدود ينبغي مراعاته وأخذه بعين الاعتبار حتى لا يكون أهوجا في أفعاله أو ساذجا في أفكاره. وهذا الذي جعل الأمير يحدد أولويات الحرب و السلم في مسيرته، ويرجح أحدهما عل الآخر في كل مرحلة زمنية. فهنا نجد الأمير القائد والمحارب والمفاوض.
التخطيط والتمكن من وسائل العصر: وهذا هو الجامع لما قبله والمجال الذي يظهر فيه كل ما سبق. فالأفكار والأقوال لا تنتج في أرض الواقع إلا إذا اجتمعت مع تخطيط سليم، واستغلال لكل ما أنتجه العصر من وسائل وأفكار. وهنا نجد الأمير المقبل على تخطيط الدولة، والمشرع للقوانين، والباحث عن الجديد في السلاح والفنون.

رمز الدولة الجزائرية المعاصرة: الأمير عبد القادر.

الأمير عبد القادر الجزائري
هو عبد القادر ناصر الدين، الابن الرابع لعبد القادر محي الدين، ولد شهر مار من عام 1807 في قرية القيطنة على ضفة وادي الحمام في منطقة اغريس (معسكر).
أديبا وشاعرا إلى جانب تمكنه من فنون الفروسية والقتال والحرب، متمكنا من فنون عصره وآدباه وعلومه، جامعا ومحافظا على تقاليد قومه وأعراف بلده، ذو حمية وغيرة وأنفة على دينه وعرضه وأرضه.
شب الأمير عبد القادر والأتراك في مرحلة الضعف. والأمراء في كل الدول في مرحلة الضعف ذوو ريبة وغلظة وجفاء، يسومون الأهالي مر الاستبداد والقهر. فنفر منهم الأمير الشاب إلى أعراف القبيلة وحمية العرب. ومع سقوط الأتراك ورحيلهم عن البلد، ودخول الفرنجة لأرض الجزائر الطاهرة، تلاشت صورة الدولة وجميع أواصر النظام، وعاد الأعراب إلى بدائية الغزو والسلب والنهب ولم يسلم منهم حتى إخوانهم الذين شردهم الغزاة. وانقسمت القبائل بين متفرج على الأوضاع، ونائم غافل عن الخطر، وحتى متعاون مع المحتل.
في هذه الظروف الفوضوية العصيبة، أبان الدهر عن مجدد جمع الله له أسباب القيادة والحكمة والرشد، فبايع أهل معسكر الأمير عبد القادر على السمع والطاعة لعلمهم بأن أمر الدنيا لا يستقيم من غير سلطان، ولتوسمهم الصلاح والقوة في شخص الشاب العالم.
توسعت البيعة بأمر الأمير وللأمير، فراح يحارب على جبهات تنوء بها الجبال، جبهة المستعمر الغازي بقوة ومال ليس له ند آنذاك، جبهة المجتمع القبلي الذي يأبى النظام ولم يخضع للأتراك إلا قهرا وغلبة، وجبهة الشيوخ والزعماء الذين استعبدوا عقول قومهم فراح كل واحد منهم يطلب الزعامة وهو أبعد ما يكون عنها أهلية وأحقية، فإذا استيقن بعدها باستحالة مطلبه مالأ العدو على الأمير المؤمن المسلم.
شيد الأمير عاصمة عصرية بها حكومة ودواوين، وشرع القوانين، وفرض الضرائب وأقام الحدود، وأرسل السفراء وأقام دولة تحاور الدولة الغازية، وفرض عليها الإقرار بالكيان الوطني، وجعل من الجزائر علما في العصر الحديث.
ناور الأمير وحارب، وهادن وهاجم، ولكن الفترة لم تكن أوانا للنصر، وأقصى ما كان ممكنا هو تعطيل المحتل مراحل عن الغزو الكامل. لكن الأمير ذهب لأكثر من ذلك، لقد ذاذ عن الكيان الوطني، وأقام الدولة التي ستتحرر بعد قرن من ذلك، وحمى القيم المجتمعية التي ستلفظ كل محاولات التغريب، ومهد لثورات ستقض مضجع المحتل، ثم رحل عن الوطن ليعود جثمانه بعد أكثر من قرن من الزمان.
لقد كان الأمير أديبا وشاعرا وفقيها وحكيما، فلا غرابة في أن تتنازعه التيارات والمذاهب كل يدعوه لنفسه، فكان حيثما حل متصدرا للمجالس مدافعا عن الفكر القويم والحجة السليمة والقضية العادلة ولو كانت لغير المسلمين.