‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات حول المعالم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات حول المعالم. إظهار كافة الرسائل

اللغة العربية، أو المعركة الخاسرة..

تتعالى الصّيحات هنا وهناك حول الّلغة العربية، ويكثر الجدال حول هذه اللغة في عقر دارها.. 
فمِن مُتَرَبّص بها من الدّاخل بين داع لتعويضها بالعامّية من جهة، أو بالأمازيغيّة من جهة أخرى.. والأدهى من ذلك كتابة هته أو تلك بالحروف اللّاتينية؟؟
إلى متربّص لها من الخارج يحاربها ويُنقص من قدر من يتكلّم بها ويحطّ من منتسبيها وكُتَّابِها وقُرَّائِها..
ولست هنا بصدد الرّد عن هؤلاء ولا هؤلاء، بل مشاركتي هذه لمن يدافع عن العربيّة.. لأقول له مع الأسف، معركتك خاسرة...!!!
إنّ الدّفاع عن أيّ لغة مهما علا طَنِينُه وسَمَت غايته لا يتسنّى له أن يُمكِّن للّغة أو أن يدفع النّاس لاستعمالها أو تعلّمها.. فدفاعك عن اللّغة العربيّة بجماليّتها وبلاغتها ومفرداتها وموقعها من الصّلاة وقراءة القرآن لن يدفع إلا بعض الفضوليّين لدراستها وتعلّمها على استحياء، ولن يُمكِّن لها عند المسلمين إلاّ بقدر ترتيل آيات في الصّلاة أو حفظ القرآن عن غير فهم ووعي.. والنّتيجة الحتميّة لهذا وذاك هو تحوّل اللّغة العربية إلى لغة نخبويّة فوقيّة صعبة المراس مآلها إلى الزّوال والعياذ بالله..
إن السّبيل لترقية أيّ لغة والتّمكين لها هو فرضها على النّاس وجعلهم ينقادون إليها انقيادا! ولا أقول فرضها بالحديد والنّار، بل فرضها بالإنتاج والمردود.. ألم تر أن النّاس يتعلّمون الإنجليزيّة ويعلّمونها لأبنائهم دون سؤال أو تفكير وإنّما يساقون إلى ذالك سوقا..
لن نُمكِّن للعربيّة ما لم تكن العربيّة حاملة لمنتوج علمي وأدبي غزير يخطف الألباب.. فعُلُومُنا يجب أن تُدرَّس بالعربية، ونُنتِجُها نحن بالعربيّة.. والأعمال الأدبيّة العربيّة ينبغي لها أن تغزو شاشات السّينما والتّلفزيون باللّغة العربيّة على حِرفيَّة عالية وجودة دقيقة تضاهي أعمال هوليوود وبوليود.. وأفكارنا النّهضوية ينبغي أن تُصاغ بالعربيّة وتُتَرجَم واقعا يأسِر العقول حتّى تتوجّه للتّرجمة إلى لغاتها من العربيّة..
إن اللّغة ما هي إلا صورة لمضمون، فمتى كان المضمون أسودا، لم تنفع مساحيق العالم على تبييضه..

خير جمعية أخرجت للناس.. في ذكرى التأسيس

يقول أستاذنا محمّد الهادي الحسني عن جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين أنّها خير جمعيّة أخرجت للنّاس، ولعمري قوله سديد وإن كان البعض يرى فيه إطراءا للجمعيّة بما ليس فيها. وأرى أنّ وصفه للجمعيّة هو وصف كامل ودقيق.
بداية الكلام أنّ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين قامت على الخيريّة التّي أقرّها الله تبارك وتعالى للأمّة المحمدية، فهي آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر مومنة بالله ناشرة للإيمان حامية له في ربوع الجزائر المحروسة. فلا جرم أن مقوّمات هذه الخيريّة تنسحب على الجمعيّة وعلى كلّ جمعيّة أخرى تقوم على ما قامت عليه.
وبرجوعنا إلى تاريخنا المعاصر نجد أن الجمعيّة جسّدت وبامتياز ضمير الأمّة ولسان حال أصالتها في وجه الاحتلال البغيض، وخاصّة الأوجه الخفيّة منه. فإذا كانت العسكرة ومصادرة الأراضي وقتل النّاس وتشريد الأهالي ظاهرٌ جرمه للعيان واستعدى بنادق الشّعب وخناجره وقاومه الشّرفاء الأحرار حتى الشّهادة، فإن للاحتلال أوجها خفيّة دسّت السّموم في العسل وكدّرت صفو الماء النّقي الزّلال. فنجده قد بذر بذور العصبيّات العرقيّة والقبليّة والمذهبيّة بأنّ أظهر أنّه يرفع جهة دون جهة وعرقا دون آخر، وقرّب إليه بعض الخونة من هذا الفريق أو ذاك موهما النّاس أنّ كل الفريق معه، واشترى ذمم بعض شيوخ الزّور والزّيف ليصوّروا للنّاس أن فرنسا من قضاء الله ولايسخط على قضاء الله إلا كافر! وفي خضمّ التّجويع والتّرهيب والتّنكيل، ضعفت منابر الحقّ وأُخرصت حناجر العلم.. من هنا انبرت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين فوحّدت الكفاءات المتناثرة عبر ربوع الوطن وجمعت أصوات الحقّ في شُعب وفُروع ونواد، فتعاظم صداها وتعالت حجّتها وقلبت الكفّة إلى صوت الحق وطريق العلم وأنارت سبل الأصالة أمام شعب كاد الاحتلال أن يسلبه لغته ودينه بعد أن سلبه أرضه وماله.. وما هي إلا سنوات حتى أدرك الشّعب من جديد أن فرنسا من قضاء الله، ولكن صوت الرّصاص في أعالي الجبال تحت صيحة الله أكبر هو أيضا من قضاء الله.. ففرّ الشّعب من قضاء إلى قضاء فرارا فيه فخر المقاومة وشرف الجهاد وعز النّصر وغنيمة الشّهادة..
أدام الله جمعيّة العلماء على نهج الأوّلين ورزقها الله نصر المتقدمين.

في اليوم العالمي للّغة العربية

تحتفل المنظّمة الدّولية باليوم العالمي للّغة العربية، ومن العجب العجاب أنّنا ونحن النّاطقون بلسان الضّاد لا نعير لهذه المناسبة وزنا!.. فكم صدّع رؤوسنا بعض القوم بالأمازيغيّة في كلّ مناسبة وبغير مناسبة، وبالحرف الأمازيغيّ والتّراث الأدبيّ الأمازيغيّ واللّسان الأمازيغي.. وهم هم الذين يحتفلون بأعيادنا التّراثية والتّاريخية بلغة موليير.. هم هم الّذين يشمئزون من حروف العربيّة ولسانها..
وممّا زاد في عجبي تصدُّر السّفارة الفرنسيّة للاحتفال باللّغة العربية في يومها؟!.. وهم الّذين حاربوها فوق القرن بعساكرهم ويحاربونها قرابة القرن بأتباعهم وأذنابهم..
إنّ حال العربيّة اليوم بين نخبة جامعية مُفرنسة تعرض للفرنسيّة على أنّها لسان العلم والتعلم.. فتُكوّن بالفرنسيّة حتى لا ينقطع نسلها.. ونخبة أخرى معرّبة مقطوعة عن العلوم الحديثة تحارب للعربيّة بالشّعارات والأشعار دون أن تجد لها في محافل العلم والتعليم مكانا.. وبين رجالات العلم الشرعي الّذين صار أغلبهم يقتات بالعربيّة لأنّها آلة كسبه ومطيّة بقاءه.. وكل واحد من هؤلاء يسبح في فلك لوحده.. فصار عالمنا عوالم منفصلة..
والعربيّة اليوم في أحوج ما تكون إلى نخبة ترفعها لمدرّجات الجامعات وتخطّ بها سطور المقالات في مجلات العلوم والأبحاث وتعيد وضعها صافية نقية بين يدي الناس البسطاء في فضاء الإعلام بعد أن شوّهتها المسلسلات المدبلجة بالعاميّة، وحطّمتها مناهج الإصلاح بمصطلحات الشّارع وألفاظ السّوقة والمنحرفين..

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. طالب العلم

من المضحكات المبكيات عند حديثنا عن معالم الشخصية الجزائرية، تصورنا لطالب العلم الشرعي.. هذا الطالب الذي كان فيما مضى مسافرا منقطعا عن بلده ومسقط رأسه ليتفرغ لطلب العلم في الجامع الكبير في أقرب حاضرة.. وقد كان هذا الطالب ملاذ المجتمع في أمور دينه ودنياه، وهو مثال الصلاح والاستقامة والرزانة والحكمة..
أما في أيامنا هذه، فقد تحولت صورة طالب العلم الشرعي إلى صورة العراف الكاهن كاتب الأحراز والتمائم، أو القارئ المأجور الذي يبيع حفظه لكتاب الله بدراهم معدودة أو لُقيمات من الكسكس واللحم واللبن.. تحولت صورة طالب العلم إلى حلقات القراءة على الموتى، والأربعينيات والسنويات..
هذه هي صورة طالب العلم الذي جعلت الناس تلجأ إلى علماء المشرق وتتنكر لعلماء البلد.. وترفض كل ما يأتي منهم.. بحجة أنهم لا علم لهم، وأن علمهم لبطونهم وجيوبهم.. إنها صورة أُريد لها أن تطبع المعلم الديني في أفراده حتى يضيع ويتيه أهل البلد ويبحثوا عن البديل خارجه.. ثم يُقال بعد ذلك: إن هذا الدين دخيل علينا!

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. الزاوية مثالا

إنّ المعلم الديني القويم السليم هو ركيزة البناء المجتمعي، وأداة الإصلاح الأولى. والتّعريف بهذا المعلم والتحلّق حوله مسؤولية الجميع دون استثناء. فالجيل الحالي كاد ينسلخ كليّا من دينه، وصار الدّين عنده طقوسا مقزّزة ومنفّرة تارة، وتهريجا ورقصا تارة أخرى. فالشابّ الجزائري اليوم، إذا أراد الالتزام، حمَّل أناشيدا على هاتفه، ولبس عباءة خضراء أو صفراء، وكفى؟! في حين أن التزامه كان يجب أن يبدأ بالفكرة، ثم البحث، ثم التّعلم الذي لا يتلوه شيء إلا التّعلم. لكن انحراف مفهوم التديّن من الحقيقة إلى الصّورة، جعل غاية الملتزم عَرَّاقِيَّة سوداء، وعباءة حمراء، ودمعتين أمام النّاس. والله المستعان.
ولتحطيم المعلم الديني في هذه البلاد أكثر وأكثر، وتحويله من مقوم إلى واجهة بألوان قوس قزح، تولت الآلة الإعلاميّة تسليط كلّ الأضواء على ممارساتٍ هي إفرازاتٌ مرضية جانبيّة للمجتمع، وتجميلها وتنميقها وتصويرها على أنّها هي الإسلام، وهي المعلم الديني للبلاد. وفي مقابل ذلك، أقصت هذه الآلة وطمست المعلم الدّيني الحقيقيّ الصحيح القائم على العلم والعقل والفكر والممارسة.
صوّرت لنا الأرمادة الإعلامية الغربية وأذنابها هنا أن الدّين هو أشباه الزّوايا، عبدة القبور، أصحاب الحضرات المختلطة الماجنة، آكلوا السّكاكين والماشون على الجمر، الراقصون على أبواب الفنادق وأمام مواكب القيّاد والفسّاق، وهم غالبهم لا يصلّي ولا يعرف إلى الله طريقا. وهي بذلك تسهّل على نفسها المهمّة إذا أرادت إقصاء هذا المكوّن المجتمعي والنّفسي من دائرة الحضارة والفكر. كيف لا، وهو عندها مجرّد فلكور وعبث تسيّره وزارة الثّقافة، من باب التّرفيه كأيّ سيرك أو مهرجان للتّهريج.
في حين أن الزّوايا الأصيلة، من خرّجت العلماء والأدباء، وذاذت عن بيضة الإسلام في هذه الأرض، ذات الخط القويم بالفقه والعلم، من روّادها حفظة القرآن، لا نكاد نسمع لها همسا! ولولا تواصلها المباشر مع المجتمع واختلاط شيوخها وروّادها مع سواد الأمّة، لما عرفناها ولا عرفنا الزاوية إلا بشكلها الأول القبيح.

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. ضياع الأصل

ونحن في حديثنا عن تشويه المعلم الديني في الجزائر، ينبغي التركيز أن الموضوع ليس ترفا فكريا أو مقالة فلسفية عن فكرة مجردة نظرية، بل هو حديث عن واقع وفعل وراءه فكرة ومنهج وعقيدة. ولسنا هنا بصدد التأصيل لنظرية المؤامرة، إنما الواقع ومآلات الأحداث توجهنا إلى نتائج خطيرة ووخيمة.
فنحن نرى الفوضى العارمة التي تشهدها مساجدنا الممزقة بين المذاهب والمناهج والمدارس، ونعيش التناقض الرهيب بين القول والفعل عند مدعي الالتزام، ونعاني من فوضى اللباس والمظهر الذي كان لوقت ليس بالبعيد فاصلا وفارقا بين الملتزم وغير الملتزم حتى صرنا نرى أقمصة بصلبان النصارى! وبين كل هذا، نرى تصاعد الدعوات لتجاوز الخطاب الديني لأنه يعاني من كل ما ذكرناه، وتعويضه بخطاب علماني بحجة أنه الجامع والمحايد خلافا للخطاب الديني. وإذا كانت هذه الدعوات في جزء منها استغلالا للواقع، لكنها أيضا مرحلة سبقتها تمهيدات وتوطئات.
هذا التشويه للخطاب الديني هو نتيجة حتمية لمقدمات نحن كلنا مسؤولون عنها. فتجاوزنا للمعلم الديني في تربية أولادنا وتوجيه شبابنا وتقويم أنفسنا جعلنا ننساه أو نتناساه. حتى إذا رأينا اعوجاجا أو خللا، استوردنا معلما دينيا من هته البلاد أو تلك، كل على هواه، فصارت الفوضى، وضاع المعلم الأصيل للبلد.

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. بوابة الاستعمار

عندما نتكلم على المعلم الدينيّ في الجزائر، فنحن نتكلم عن الإسلام. وليس ذلك إقصاءا لباقي الدّيانات التي مرّت على هذا القطر العزيز. وإنّما نقول ذلك لأنّ الإسلام هو ما استقرّ عليه أهل البلد من أزيد من أربعة عشر قرنا، وهو الذي احتوى المسيحيّين واليهود وحفظ حقوقهم الماديّة والمعنوية على هذه الأرض. ففي حين ضيّعت النّظم الاستعمارية والاستبدادية حقوق الموحّدين عبر العصور لأنّهم قَلَّمَا يُداهنون السّلطان أو يسجدون للأصنام، منح الإسلام حرّية الممارسة حتّى لغير المؤمنين به وردّ عليهم بِيَعَهُم وصَوَامِعَهُم.
لذلك، فالمعلم الديني للبلد هو الجامع الحقيقي لكل المكونات والثقافات، لكن تشويهه وجعله مسخا  هجينا، جعل الناس تنفض من حوله وتنفر منه جهلا وليس معرفة.
إن ارتباط الناس بالدين منذ فجر التاريخ ليس وليد جهل أو فراغ، بل هو ضرورة وحتمية أثبتها التاريخ والاجتماع والمنطق. وأي حياد عن هذا المعلم في تعريف الشخصية الجمعية هو تعد صارخ على الطبيعة ومحاولة لخلق شخصية اصطناعية آلية غير إنسانية هدفها خلق فراغ سيملؤه يوما ما دين آخر دخيل مستورد.
من هنا، كان لزاما على المستدمر الفرنسي وأذنابه، أن يحاربوا هذا المعلم ويشوّهوه حتى يتسنّى لهم القول أن أرض الجزائر أرض عذراء، لا دين لها ولا ثقافة، فيسهل حقنها باللّغة والثّقافة الفرنسية، ومن ثمّ، الدّيانة المسيحية القديمة منها أو المعاصرة.