‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقدمات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقدمات. إظهار كافة الرسائل

الهويّة بين التّعريف الشّامل والانتقاء من اجل الطمس والتبديل

والحقيقة أنّ هذا الكلام فيه الغثّ والسّمين، ويجعله البعض ذريعة للتّبديل على جهة دسّ السّم في العسل. ونُفصِّل ذلك بتذكير وتصويب:
أمّا التّذكير فهو أنّ الهويّة ليست بطاقة تُطبَعُ وتُختَم لا تتبدّل ولا تتغيّر إلاّ إذا استُبدلت بأخرى من الجهة المُصدِرة المُختصّة! إنّما الحقيقة هي أنّ الهويّة نتاج أفكار وقيم ومعاني وتفاعلات مع المحيط وتدافُع بين الأبناء وإسقاطات في السّلوك والمُمارسات. وهي ملك الأمّة قاطبة ولا يحقّ لجهة دون جهة أو طائفة دون طائفة أو حتّى جيل دون جيل أن يُنصِّب نفسه ناطقا حصريّا أو مُنظِّرا وحيدا فريدا لأي مسألة من مسائلها. ومن هنا نقول أنّ ما نتوهّمه شاذّا من تداخل أو تفاعل مع المحيط أو من الغازي أو من أبناء الأمّة إنّما هو أحد روافد هذه الهويّة شئنا أم أبينا، والأمّة القويّة تملك من أدوات الحماية والتّحصين ما يُمكّنها من التّأقلم والتّطور دون المساس بمعالم الهويّة الأصيلة. وإن كان ولابدّ من المقاومة، فإنّ على النّخبة أن تجدّد من أسلحتها للتّنقية والتّصفية لا أن تُمزِّق صحفة من صفحات تاريخها والتّأسيس لهويّة مزعومة جديدة.
وأمّا التّصويب فهو أن الدّعوة للتّأسيس إنّما هي عين الغزو الفكري والحضاري، وما هي إلا غطاء مبهرج لدمج الأمّة في هويّة أخرى وتحويلها إلى مسخ لا وجه له. إذ كيف لنا أن نؤسّس لشيء لا نملك منه إلّا النذر اليسير، فغالبه إرث الأجداد والطبائع البلاد وما لنا منه إلّا التوجيه إمّا للخير أو للشرّ؟ فهل يُعقل أن نؤسّس تاريخا وطبائعا وبلادا جديدة؟ لهذا كان التّأسيس بما يدّعيه البعض من بني جلدتنا مجرّد واجهة خدّاعة لدمجنا في هويّة أخرى! ولك أن تتخيّل أمّة تدرس تاريخ غيرها، وتتكلّم لغة غيرها، وتدافع عن قيم غيرها، وتَتَطَبَّع بقيم غيرها.. هل يمكن أن تكون أمّة سويّة؟ وهل يمكن لهذا الغير أن يقبلها أصلا وإن انسلخت من جلدتها أم أنه سيقبلها عبيدا وإماء ووعاءا بشريا لأسواقه وحروبه وتجاربه؟

مسألة الهويّة بين ادّعاء الحسم ووهم التّأسيس

من هنا ينطلق البعض إلى ضرورة التّأسيس للهويّة من باب تحديد معالمها وحدودها. وهذا كلام خطير لأنّ لازمه قذف وباطنه تشويه! فالحديث عن التّأسيس للهويّة يعني أنّنا استوطنّا هذه الأرض لقرون بالية على غير هدى ولا وعي ولا رشاد كالبهائم أو أشدّ؟  بل وكأنّ القائل بهذا القول يجعلنا مجتمعا لقيطا تولّد عن غير رغبة؟ وإذا كان الحال غير ذلك، فالتّأسيس معناه عدم صلاح هويّتنا الحاليّة أو مخالفتها للمعايير فوجب تبديلها، وهنا يجب على صاحب هذه الفكرة أن ينير عقولنا بماهيّة المعايير التّي على أساسها نقبل هويّة ما ونرفض أخرى؟ ونحكم على هويّة ما بالصّلاح وأخرى بالفساد؟
وإذا كان الواقع والحمد لله بعيدا عن الطّرح الأول، اللهم إلّا نذر يسير من أصحاب العقول المريضة والنّفوس الدّنيئة الشاذّة التي لا يلتفت إليها بحال، فإنّ الطّرح الثّاني يحاول فرض نفسه من أبواب عديدة نذكر منها:
الباب الأوّل أنّ هويّتنا الأصيلة قد طمست بفعل الغزوات المتتالية على هذه الأرض من باقي الحضارات ولحقها من الشّوائب والأدران ما أعيا المصلحين فوجب التّأسيس للجديد استمداد من القديم.
الباب الثّاني أنّ هزيمتنا الحضاريّة جعلت بعضا منّا يتنصّل من هويّته محاولا تقليد المنتصر فأدخل في هويّتنا ما ليس منها مع استحالة التّصحيح والتّذكير والتّنقيح لأنّ إقناع المهزوم بصلاح حاله وفساد حال المنتصر ضرب من الجنون.
يتبع...

مسائل النّقاش حول الهويّة: جوهر أو عرض؟

الهويّة الوطنيّة هي من أعقد ما يواجه النّخبة في مرحلة بناء الدّولة. ونحن إذ نتحدّث عن دولة فتيّة كالجزائر المعاصرة، نجد أنّ الهويّة تتجاذبها مشاهدات متباينة لابدّ من وضعها في إطارها الصّحيح قبل الحكم على أصحابها.
فمن جهة، نجد أن الكلّ يتحدّث عن حسم موضوع الهويّة وإجماع الأمّة على معالم هذه الهويّة وحدودها. وكلّ تيّار أو مدرسة تسترسل في تعداد هذه المعالم وتلك الحدود بعنف وقسوة توهمك أنّ المشكّك فيها إنّما هو خائن للوطن عميل لأعداءه إن لم يكن هو العدوّ نفسه!
ومن جهة أخرى، نتسابق جميعا للتّنظير وتأطير الحوار العامّ والخاصّ حول الهويّة الجزائريّة والتّعريف بها لأبناء هذا الوطن في تناقض صارخ مع زعمنا أنّ الهويّة محسومة، إذ كيف يجهل أبناء الوطن أو يخوضون في نقاش حول مسألة محسومة.
وعلى طرف آخر، قد يُردُّ على هذا التّباين بأنّ قضيّة الهويّة محسومة بالفعل، ولكنّ التّداخلات الثّقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة مع الجوار المحلّي والدّولي أدخلت بعض الضّبابيّة والتذبذب إلى بعض إسقاطات الهويّة على السّلوكيات الفرديّة والجمعيّة، فكان لابدّ من الحسم والتّأصيل والتّصحيح لجملة من المفاهيم والأفكار المتعلقة بالهويّة في جوانبها التّطبيقيّة خاصّة.
والحقيقة أن المتتبّع لما يحدث في مجتمعنا يلاحظ أن التّجاذبات الفكريّة بإسقاطاتها السّلوكية تتعدّى مجرّد التّعقيب على تداخلات تفاعليّة أو جدل حول أفكار جانبيّة، بل تخُوض في مسائل جوهريّة ينبني عليها تحديد اتّجاهات وانتماءات. فالهوية في مجتمع ما تُحدّد انتماءه إلى جماعات إقليميّة ودوليّة، وانتاماءاته إلى حضارات ومعسكرات تاريخيّة، وتُحدّد اتّجاهاته في تبنّي القضايا السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة. وإذا كان النّقاش حول الهويّة يؤثر على هذه العناصر الهامّة المُهمّة فهو نقاش في الجوهر لا في العرض.
يُتبع..

لماذا يصر البعض على رفض المرجعية الدينية للجزائر؟.. الجزء الثاني

إن المتابع للفئة القليلة التي ترفض المرجعيّة الدينيّة للجزائر يلاحظ استماتة غريبة وغير شريفة في تغيير الواقع أملا في تغيير المعطيات التي أشرنا إليها آنفا.
فتجدها مثلا تدافع عن ممارسات لا يقبلها المجتمع ويرى فيها تعدّ على حرمته ومبادئه محاولة شرعنتها متى أتيح لها ذلك، من شذوذ وخمور وزنا، لأنّها مقدّمة الانسلاخ من الدّين. فتبنّيها لهذه الانحرفات ليس نابعا من دفاعها عن الحرّيّات -لأنّها لا تقبل بها في أهلها مثلا- بل لأنّ الدّين يحاربها، ومتى انتشرت، كان ذلك داعيا لانسلاخ أصحابها من الدّين وأمكن بعد ذلك الحديث عن شريحة مجتمعيّة لا دينيّة!
وتجدها أيضا مستميتة في إبراز تنوّع دينيّ في الجزائر خارج إطاره الحقيقي والطّبيعي، فإذا كان التّواجد المسيحيّ في الجزائر في أقليّات عبر مدن قليلة هنا وهناك، فإن العمالة الوافدة من الصّين والهجرة غير الشّرعية من دول السّاحل والخبرات الكوبيّة والأوروبيّة ليست أقلّيات جزائريّة، واستجلابها لم يكن يوما من سلطة شرعيّة مرضيّة من الشّعب، فما بالك بالتّصريح لها بالإقامة الدّائمة وتشكيل نواة أقلّية دينيّة تنخر النّسيج الإجتماعي للبلاد. وليس هذا من العنصريّة في شيء! إنّما نتكلّم هنا عن سياسة توطين وتجنيس ينبغي أن تخضع لتشريع يقرّه الشّعب عبر مؤسّسات شرعيّة مرضيّة منتخبة!
هذا غيض من فيض من طرق الإبعاد التّدريجي للمجتمع عن المرجعيّة الدّينيّة والّتي وإن كانت لا تظهر نتائجها في المنظور القريب، ولكنّها وخيمة العواقب في منظور الأجيال القادمة.

لماذا يصر البعض على رفض المرجعية الدينية للجزائر؟.. الجزء الأول

تصرّ بعض الأقلام والأصوات الشّاذّة على رفض المرجعيّة الدينيّة للجزائر. وعندما أصفها بالشّاذة، فأنا لا أسبّ ولا أشتم، ولكنّي أصف حالة، فعلى الرّغم من الزّخم الإعلامي الذي توفّره القنوات والمؤسّسات الإعلامية لهذه التّوجّهات، فإنّها قليلة ونادرة إذا ما قورنت بجماهير النّخبة الصّامتة والمغيّبة طوعا أو قسرا.
تصرّ هذه الأصوات والأقلام على تصوير حتميّة الحضارة والتّقدم والمدنيّة في الجزائر على أنّها لا دينية، وإذا قلنا لا دينية، فنحن نقصد طبعا لا إسلاميّة، لأنّ الدّين في الجزائر هو الإسلام بالغالب والغالب جدا. وتكلّمنا كثيرا على أنّ المرجعيّة الإسلاميّة للجزائر لا تعني إقصاء الأديان الأخرى، بل تعني إظهار مكوّن أصيل في الشّخصية الجزائريّة الّذي يحثّ هو أساسا على احترام كلّ المعتقدات وضمان حريّة الممارسة لها. إنّما مقال اليوم عن هذه الفئة التي تحارب هذه المرجعيّة وبطرق للأسف  غير نبيلة البتة.
وأبدأ بأسئلة تحيّرني دائما.. إذا كان الشّعب في غالبيّته مسلما يقرّ بالألوهيّة لله وحده وبرسالة نبيّه صلّى الله عليه وسلم؟ وإذا كان هذا الشّعب يصلّي ويصوم ويزكّي؟ وإذا كان هذا الشّعب يحلف بالله؟ وإذا كان هذا الشّعب يسمِّي الله عند البدء ويحمد الله عند الختم، ويطري النّاس بالبركة والدّعاء؟ وإذا كان هذا الشّعب يبني المساجد، ويثور على من يسرقها أو يخرّبها ويرى في ذلك جرما عظيما؟
إذا كان كلّ ذلك، فلماذا هذا الإصرار على انتزاع هذا المكوّن الّذي هو جزء من شخص كل مواطن وفكره ورأيه؟ ولماذا الإلحاح على الفصل بينه وبين الدّولة والدّولة إنّما هي خادم للشّعب وضامن لهويّته؟ أليس هذا عدوانا على الشّعب ومحاولة بائسة لخلق آلة عديمة اللّون والولاء تسيّر أمور الشّعب بعيدا عن طموحاته واهتماماته؟ أليس في هذا عدوان على أبسط مبادئ الحكم الرّاشد والدّيمقراطيّة القائمة أصلا على أن السّلطة للشّعب؟ أليس في هذا مصادرة لسلطة الشّعب ووصاية عليه؟
قراءة الجزء الثاني

عولمة الوطن.. أو البيع بالتقسيط

عندما تكون السّنة الميلادية مجرّد سنة إدارية تُجرد في نهايتها المخازن والمستودعات، وتُقفل الدّفاتر وتُراجع، وتُدقّق فيها الحسابات وتُصحّح، فإنّها وسيلة من وسائل العمل وأداة لتحقيق أهداف التّخطيط والتّنظيم والتّسيير. أمّا وقد تحوّلت لمناسبة للمعايدة والاحتفال، فهذا شيء آخر!
الإحتفاء بيوم ينبغي أن يكون لقيمة مضافة لهذا اليوم في الحياة الخاصّة أو العامّة، قيمة مادّية أو معنوية. مثال ذلك احتفالنا بأعياد ميلادنا لأنّها تذكّرنا بقدومنا لهذا العالم وأن أعمارنا تنقص مثلا، واحتفالنا بأعياد النّصر والنّكسة لأنّها تذكرنا بمحطات وعبر في تاريخنا، واحتفالنا بأعيادنا الدّينيّة لأنّها تقرّبنا إلى الله وتذكّرنا بعبوديّتنا له. فما هي القيمة المضافة في رأس السّنة الميلادية؟
لو كان إنتاجنا وفيرا، واقتصادنا رابحا، وعلمنا غزيرا، وحصادنا جزيلا، لأخذنا الاحتفال من باب نشوة النّصر ومباهاة النّاس بإنجازاتنا للعام الماضي. أما والعكس هو الصّحيح، فبم نحتفل في رأس السّنة؟ بخيباتنا المتتالية أم بإخفاقاتنا وتذيُّلِنا للتّرتيب في العلوم والتّربية والصّناعة والزّراعة والملاحة وكلّ شيء تقريبا.. إلّا حوادث المرور والرّشوة والفساد وسوء الأخلاق؟
إنّ الغرض الوحيد من انتشار التّهاني وبطاقات المعايدة في رأس السّنة الميلادية هو تطعيم رُزنامة الأعياد بمزيد من أعياد النّصارى والكفّار حتى تضيع أعيادنا وأيّامنا في خضمّ الأعياد العالمية. إنّها عولمة الوطن ياسادة، فحتّى ثقافتنا وتاريخنا وأيّام عزنا تذوب في ثقافة العالم التي ترسمها الدّول الكبرى بثقافتها الهجينة بين المسيحية والصهيونية والوثنية.
فبعد أن يئس الاستدمار من خلعنا عن أعيادنا وتاريخنا، ها هو يخلط معها ثقافته اللّقيطة حتى نتيه بيننا وبينه فيسهل انقيادنا إليه. إنّه البيع بالتقسيط لمقوّمات هوّيتنا. نرى ذلك في المنقّبات والمحجّبات يتبادلن القبل والتّهاني في رأس السّنة الميلادية، وفي الملتحين يتبادلون الأماني بالعام الجديد وهم خارجون من المساجد والمصلّيات، ولن أتعجّب إن فعلوا ذلك بعد أعوام في عيد ميلاد المسيح على زعم النّصارى.. 
إنّ الأعياد والمواسم من معالم البلاد، وهي حدود الثّقافة وحماها، ومتى فرّطنا فيها أو أدخلنا فيها ما ليس منها، فقد غيرنا معالم ثقافتنا وخدشنا من هويتنا وأصالتنا.

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. طالب العلم

من المضحكات المبكيات عند حديثنا عن معالم الشخصية الجزائرية، تصورنا لطالب العلم الشرعي.. هذا الطالب الذي كان فيما مضى مسافرا منقطعا عن بلده ومسقط رأسه ليتفرغ لطلب العلم في الجامع الكبير في أقرب حاضرة.. وقد كان هذا الطالب ملاذ المجتمع في أمور دينه ودنياه، وهو مثال الصلاح والاستقامة والرزانة والحكمة..
أما في أيامنا هذه، فقد تحولت صورة طالب العلم الشرعي إلى صورة العراف الكاهن كاتب الأحراز والتمائم، أو القارئ المأجور الذي يبيع حفظه لكتاب الله بدراهم معدودة أو لُقيمات من الكسكس واللحم واللبن.. تحولت صورة طالب العلم إلى حلقات القراءة على الموتى، والأربعينيات والسنويات..
هذه هي صورة طالب العلم الذي جعلت الناس تلجأ إلى علماء المشرق وتتنكر لعلماء البلد.. وترفض كل ما يأتي منهم.. بحجة أنهم لا علم لهم، وأن علمهم لبطونهم وجيوبهم.. إنها صورة أُريد لها أن تطبع المعلم الديني في أفراده حتى يضيع ويتيه أهل البلد ويبحثوا عن البديل خارجه.. ثم يُقال بعد ذلك: إن هذا الدين دخيل علينا!

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. الزاوية مثالا

إنّ المعلم الديني القويم السليم هو ركيزة البناء المجتمعي، وأداة الإصلاح الأولى. والتّعريف بهذا المعلم والتحلّق حوله مسؤولية الجميع دون استثناء. فالجيل الحالي كاد ينسلخ كليّا من دينه، وصار الدّين عنده طقوسا مقزّزة ومنفّرة تارة، وتهريجا ورقصا تارة أخرى. فالشابّ الجزائري اليوم، إذا أراد الالتزام، حمَّل أناشيدا على هاتفه، ولبس عباءة خضراء أو صفراء، وكفى؟! في حين أن التزامه كان يجب أن يبدأ بالفكرة، ثم البحث، ثم التّعلم الذي لا يتلوه شيء إلا التّعلم. لكن انحراف مفهوم التديّن من الحقيقة إلى الصّورة، جعل غاية الملتزم عَرَّاقِيَّة سوداء، وعباءة حمراء، ودمعتين أمام النّاس. والله المستعان.
ولتحطيم المعلم الديني في هذه البلاد أكثر وأكثر، وتحويله من مقوم إلى واجهة بألوان قوس قزح، تولت الآلة الإعلاميّة تسليط كلّ الأضواء على ممارساتٍ هي إفرازاتٌ مرضية جانبيّة للمجتمع، وتجميلها وتنميقها وتصويرها على أنّها هي الإسلام، وهي المعلم الديني للبلاد. وفي مقابل ذلك، أقصت هذه الآلة وطمست المعلم الدّيني الحقيقيّ الصحيح القائم على العلم والعقل والفكر والممارسة.
صوّرت لنا الأرمادة الإعلامية الغربية وأذنابها هنا أن الدّين هو أشباه الزّوايا، عبدة القبور، أصحاب الحضرات المختلطة الماجنة، آكلوا السّكاكين والماشون على الجمر، الراقصون على أبواب الفنادق وأمام مواكب القيّاد والفسّاق، وهم غالبهم لا يصلّي ولا يعرف إلى الله طريقا. وهي بذلك تسهّل على نفسها المهمّة إذا أرادت إقصاء هذا المكوّن المجتمعي والنّفسي من دائرة الحضارة والفكر. كيف لا، وهو عندها مجرّد فلكور وعبث تسيّره وزارة الثّقافة، من باب التّرفيه كأيّ سيرك أو مهرجان للتّهريج.
في حين أن الزّوايا الأصيلة، من خرّجت العلماء والأدباء، وذاذت عن بيضة الإسلام في هذه الأرض، ذات الخط القويم بالفقه والعلم، من روّادها حفظة القرآن، لا نكاد نسمع لها همسا! ولولا تواصلها المباشر مع المجتمع واختلاط شيوخها وروّادها مع سواد الأمّة، لما عرفناها ولا عرفنا الزاوية إلا بشكلها الأول القبيح.

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. ضياع الأصل

ونحن في حديثنا عن تشويه المعلم الديني في الجزائر، ينبغي التركيز أن الموضوع ليس ترفا فكريا أو مقالة فلسفية عن فكرة مجردة نظرية، بل هو حديث عن واقع وفعل وراءه فكرة ومنهج وعقيدة. ولسنا هنا بصدد التأصيل لنظرية المؤامرة، إنما الواقع ومآلات الأحداث توجهنا إلى نتائج خطيرة ووخيمة.
فنحن نرى الفوضى العارمة التي تشهدها مساجدنا الممزقة بين المذاهب والمناهج والمدارس، ونعيش التناقض الرهيب بين القول والفعل عند مدعي الالتزام، ونعاني من فوضى اللباس والمظهر الذي كان لوقت ليس بالبعيد فاصلا وفارقا بين الملتزم وغير الملتزم حتى صرنا نرى أقمصة بصلبان النصارى! وبين كل هذا، نرى تصاعد الدعوات لتجاوز الخطاب الديني لأنه يعاني من كل ما ذكرناه، وتعويضه بخطاب علماني بحجة أنه الجامع والمحايد خلافا للخطاب الديني. وإذا كانت هذه الدعوات في جزء منها استغلالا للواقع، لكنها أيضا مرحلة سبقتها تمهيدات وتوطئات.
هذا التشويه للخطاب الديني هو نتيجة حتمية لمقدمات نحن كلنا مسؤولون عنها. فتجاوزنا للمعلم الديني في تربية أولادنا وتوجيه شبابنا وتقويم أنفسنا جعلنا ننساه أو نتناساه. حتى إذا رأينا اعوجاجا أو خللا، استوردنا معلما دينيا من هته البلاد أو تلك، كل على هواه، فصارت الفوضى، وضاع المعلم الأصيل للبلد.

تشويه المعلم الديني في الجزائر.. بوابة الاستعمار

عندما نتكلم على المعلم الدينيّ في الجزائر، فنحن نتكلم عن الإسلام. وليس ذلك إقصاءا لباقي الدّيانات التي مرّت على هذا القطر العزيز. وإنّما نقول ذلك لأنّ الإسلام هو ما استقرّ عليه أهل البلد من أزيد من أربعة عشر قرنا، وهو الذي احتوى المسيحيّين واليهود وحفظ حقوقهم الماديّة والمعنوية على هذه الأرض. ففي حين ضيّعت النّظم الاستعمارية والاستبدادية حقوق الموحّدين عبر العصور لأنّهم قَلَّمَا يُداهنون السّلطان أو يسجدون للأصنام، منح الإسلام حرّية الممارسة حتّى لغير المؤمنين به وردّ عليهم بِيَعَهُم وصَوَامِعَهُم.
لذلك، فالمعلم الديني للبلد هو الجامع الحقيقي لكل المكونات والثقافات، لكن تشويهه وجعله مسخا  هجينا، جعل الناس تنفض من حوله وتنفر منه جهلا وليس معرفة.
إن ارتباط الناس بالدين منذ فجر التاريخ ليس وليد جهل أو فراغ، بل هو ضرورة وحتمية أثبتها التاريخ والاجتماع والمنطق. وأي حياد عن هذا المعلم في تعريف الشخصية الجمعية هو تعد صارخ على الطبيعة ومحاولة لخلق شخصية اصطناعية آلية غير إنسانية هدفها خلق فراغ سيملؤه يوما ما دين آخر دخيل مستورد.
من هنا، كان لزاما على المستدمر الفرنسي وأذنابه، أن يحاربوا هذا المعلم ويشوّهوه حتى يتسنّى لهم القول أن أرض الجزائر أرض عذراء، لا دين لها ولا ثقافة، فيسهل حقنها باللّغة والثّقافة الفرنسية، ومن ثمّ، الدّيانة المسيحية القديمة منها أو المعاصرة.

عن أي معالم نتحدث: الاستدمار؟

دائما في حديثنا عن المعالم والأعلام، وفي جوابنا عن العلاقة بين الجزائر وفرنسا، هل فرنسا جزء من التراث الجزائري وهل ضباطها وكتابها وشعرائها أعلام لنا؟ والجواب هنا ذو فنون.
فإذا صادف أن حل بين ظهرانينا فرنسي أو ألماني أو أيا كان زائرا أو ضيفا أو مقيما محترما لأهل البلد ومعتقداتهم وعاداتهم، ثم تبين لنا منه صلاح ونفع في علمه أو أدبه أو عاداته أو خلقه فاقتبسنا منه مختارين عن قناعة وتمحيص فهو من أعلامنا ومعالمنا لأننا تبنيناه وتبنى هو المقام عندنا غير جاحد لقدرنا. وهو حال الكثير من الفرنسيين وغيرهم بعدهم، وقبلهم من الأتراك وغيرهم.
أما أن تحل علينا الدولة الفرنسية لاغية لكل ما كان قبل حلولها، نافية لثقافة أهل البلد وعقيدتهم وتراثهم، بل ونافية لأهل البلد أنفسهم حتى وصل بها المطاف لأن تصنف عقول الناس إلى أوروبي متحضر وأنديجينا غير قابل للتعليم، بل ووصل الأمر بأطباءها وعلماءها لتصنيف المؤلفات في الفروق الخلقية بين المخ الفرنسي والمخ الجزائري، فلعمري لن يقبل بهذه الهمجية في أعلامنا ومعالمنا إلا أحد اثنين: جاهل لحد السفه لابد من أن يحجر على عقله، أو متنكر لأصله أفاق ليس له غيرة ولا نخوة فهو مرتزق أصول ينتمي لمن يدفع أكثر.
وإذا كان في هذا الخضم من التدمير لمعالم الهوية الجزائرية من بعض أضغاث من الصدقات التي جادت بها فرنسا من طرق ومباني وفئة من المتعلمين ولا أقول المثقفين، فهي وإن كانت في الأصل لخدمة بقائها في الجزائر لا لعيون الجزائريين، فهي بعد هذا ذر للرماد في العيون وتأكيد للنظرة الاستعلائية التي صورت للعقول المريضة أنها جاءت مخلصة وهي في الحقيقة الموت الذي قاومه الشرفاء ولا يزالون.
فعلى هذا كيف بنا نقبل بالثقافة الفرنسية وأعلامها ولغتها علما من أعلامنا أو معلما من معالمنا. وهي وإن كانت ثقافة كباقي الثقافات، ولنا أن نتعلم لغتها كما نتعلم اللغات الأخرى للانفتاح على العالم،أما أن نتبناها مكونا من مكوناتنا نربي عليها الجيل فتلك هي الخيانة والرذيلة الكبرى.

عن أي معالم نتحدث: توطئة

المعلم والعلم مرتبط بالطريق، فهم الإشارات على درب التاريخ والهوية، والحديث عنهم يثير مسألة الهوية بكل أبعادها. وبعيدا عن الفلسفة والتنظير العميق نطرح السؤال البسيط التالي: هل الجزائر رومانية أم وندالية أم عربية أم فرنسية أم أمازيغية أم ماذا؟ وهل معابد الرومان من معالمنا؟ وهل ضباط ومفكروا المستدمر الفرنسي من أعلامنا؟ ألم يمروا بأرضنا ومنهم من دفن بها؟
والجواب عنه ليس بالهين، لأن التأصيل في هذه المسألة التاريخية أجاد فيه أهل الاختصاص ممن هو خير مني. ولكني هنا أتكلم بلسان المواطن الجزائري البسيط خريج التعليم الوثيق العرى بالمجتمع ونتاج تكوين مؤسسات المجتمع العميق من مسجد أصيل وأسرة بسيطة عريقة. هذا الجزائري الذي يعتبر فرنسا مرحلة من التاريخ لا ينتمي إليها إلا كقطعة من العذاب أحس فيها بسلخه عن جذوره فقاوم ذلك بكل الوسائل حتى تخلص منها برجوعه للعروبة والأمازيغية والإسلام. وإلا؟ لماذا حاربنا فرنسا وأخرجناها من بلدنا إذا كانت الثقافة الفرنسية مكونا أصيلا فينا؟
إن الأعلام والمعالم الجزائرية هي ما كان متوافقا مع أصولنا مدافعا عنها مساهما في تطويرها وترقيتها منسجما مع روح الأسرة العريقة متمسكا بقيمنا وعاداتنا. وفي المشاركات اللاحقة سنحاول بيان كل هذا بنوع من التبسيط والإجمال.

لماذا المعالم والأعلام

في خضم الزخم الرهيب من المعلومة بأشكالها المتعددة من كلمة وصوت وصورة، ووسائطها العديدة من قنوات وشبكات وهواتف، يتيه الشخص وتتجاذبه الأفكار والتيارات، وخصوصا الشباب.
فلدقائق معدودة أمام الشاشة تلفازا كان أم كمبيوترا، يجد العقل نفسه أمام أفكار تدعو للحداثة وأخرى للأصالة، وترويجا للشهوة وآخر للروح، ودعوة للتعريب وأخرى للتغريب، والشاب اليافع المقبل على الحياة المتطلع لانتماء ما يجد نفسه أمام خيارات لا يملك معها أدوات الحكم والترجيح، يسلك مسلك الاندفاع بلا بصيرة ليجد نفسه -لا قدَّر الله- مدافعا عن أفكار لا ينتمي إليها، ومنشغلا ببِناءِ بناءٍ ليس له فيه حظ ولانصيب منبهرا بزخرف الدعوة وبريقها وهي في الحقيقة زيف وبطلان.
من هنا كان توضيح الصورة لأبناءنا وإخواننا فرضا وواجبا يمليه حب الخير والدعوة إلى الحق وكشف الزيف والبهتان والباطل. ولكن، ما هي هذه الصورة التي ينبغي توضيحها؟
الصورة المقصودة هي المحيط الأدبي والبيئة التاريخية التي ينبغي أن يصوغ منها الفرد توجهاته وأفكاره ورسالته في هذه الحياة. وأقول ينبغي لأن المولود في هذه الأرض، والمنتفع من خيراتها ليس طفرة زمنية أو بدعة كونية نشازا في المد الزمني، بل هو امتداد لأزمنة متتابعة وجماعات متلاحقة عمرت هذه الأرض، ولن يكون إلا امتدادا لها، فوجب عليه معرفة بيئته ليحدد مصيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إذا أراد تغيير واقع وجذور هذه البيئة، عليه أن يفهمها ويحدد مواقع الخلل فيها، ومن ثم يقنع نفسه أولا، ثم غيره بعد ذلك بضرورة التغيير وصلاحه.
وعلى كل الأحوال، لا مفر له من معرفة جذوره، والتعرف على ذاته، وهو ما لا يتأتى إلا بالتوجه نحو قراءة المعالم المكانية والأعلام التاريخية التي صاغت وتصوغ بيئتنا ومحيطنا.