بوزيان القلعي


عندما نُفي الأمير عبد القادر، حَسِبَ الاحتلال أن الطّريق إلى تركيع الجزائر قد أصبح سهلا ممكنا، لكنّ الأحرار سرعان ما انتفضوا هنا وهناك جماعات وأفرادا مذكّرين فرنسا بالحقيقة المرة: "هذه الأرض لنا وليست لغيرنا".. من هؤلاء الأحرار نذكر اسما خالدا في التّاريخ الجزائري الشّعبي والرّسمي، إنّه بوزيّان القلعي.
وُلد البطل المجاهد في قلعة بني راشد بولاية غليزان عام 1254 للهجرة (عام 1838 للميلاد) وعاش راعيا للغنم ثم حطّابا يعُول أهله ولا يعرف للسّياسة وجها أو ظهرا حتّى جاءه قايد المنطقة باسم المحتلّ طالبا منه الضّرائب لأمّه فرنسا.. هنا طرحه المجاهد أرضا وجرّده من ملابسه وأرسله عريانا أمام سكّان القلعة.. وكانت هذه بداية ثورة استمرت ثلاث عشرة سنة (13) أذاق فيها قطعان المحتلّين الذين صادروا أراضي الجزائريّين وأهانوهم وأفقروهم وأذلّوهم.. فقد صادر أموالهم وأحرق ممتلكاتهم وألقى في قلوبهم الرّعب حتى كتب حاكم الفرنسيس في الجزائر تقريرا لوزير حربه يحذّره فيه من خروج ثورة بوزيّان القلعي عن السّيطرة وتهديدها للوجود الفرنسي ّوذلك بتاريخ 21 من ذي القعدة لعام 1291  الموافق ليوم 30 من شهر ديسمبر من عام 1874.
قلعة بني راشد - الجزائر
وكما جرت العادة مع الأحرار، لا يتمكّن منهم العدوّ إلاّ غدرا.. ففي السّابع عشر (17) من شهر رمضان لعام 1292 الموافق للسّادس عشر من أكتوبر لعام 1875 راقبه الخائنان الحاج بن يوسف وابنه عمار من دوّار ولاد يحيى البنيان قرب معسكر وسلَّمَاهُ للمحتلّ مقابل ميداليّة فضّية سلّمت لهما في شهر أكتوبر من عام 1877 وسمّوها ميداليّة الشرف، ولعمري إنّها لميداليّة قلّة الشّرف. أمّا المجاهد البطل فقد حكم عليه بالإعدام في شهر ربيع الثاني لعام 1293 الموافق لشهر ماي من عام 1876 مع السّي قدور بن حميدة واثنين من رفاقهم. وأعدم  البطل في الرابع من جمادى الآخرة لعام 1293 الموافق ليوم 26 جويلية 1876 على الخامسة صباحا في السّاحة المركزية للحديقة العموميّة لمدينة المحمّدية بولاية معسكر، ونقلت فرنسا رأسه الطّاهرة لمتاحف باريس، ربّما ليرى الأنذال والأنجاس كيف هي صورة الأطهار الأبطال، فقليل هم الأطهار الأبطال عندهم.
رحمه الله وتقبّله في الشّهداء.. ولا نامت أعين الجبناء.

لماذا يصر البعض على رفض المرجعية الدينية للجزائر؟.. الجزء الثاني

إن المتابع للفئة القليلة التي ترفض المرجعيّة الدينيّة للجزائر يلاحظ استماتة غريبة وغير شريفة في تغيير الواقع أملا في تغيير المعطيات التي أشرنا إليها آنفا.
فتجدها مثلا تدافع عن ممارسات لا يقبلها المجتمع ويرى فيها تعدّ على حرمته ومبادئه محاولة شرعنتها متى أتيح لها ذلك، من شذوذ وخمور وزنا، لأنّها مقدّمة الانسلاخ من الدّين. فتبنّيها لهذه الانحرفات ليس نابعا من دفاعها عن الحرّيّات -لأنّها لا تقبل بها في أهلها مثلا- بل لأنّ الدّين يحاربها، ومتى انتشرت، كان ذلك داعيا لانسلاخ أصحابها من الدّين وأمكن بعد ذلك الحديث عن شريحة مجتمعيّة لا دينيّة!
وتجدها أيضا مستميتة في إبراز تنوّع دينيّ في الجزائر خارج إطاره الحقيقي والطّبيعي، فإذا كان التّواجد المسيحيّ في الجزائر في أقليّات عبر مدن قليلة هنا وهناك، فإن العمالة الوافدة من الصّين والهجرة غير الشّرعية من دول السّاحل والخبرات الكوبيّة والأوروبيّة ليست أقلّيات جزائريّة، واستجلابها لم يكن يوما من سلطة شرعيّة مرضيّة من الشّعب، فما بالك بالتّصريح لها بالإقامة الدّائمة وتشكيل نواة أقلّية دينيّة تنخر النّسيج الإجتماعي للبلاد. وليس هذا من العنصريّة في شيء! إنّما نتكلّم هنا عن سياسة توطين وتجنيس ينبغي أن تخضع لتشريع يقرّه الشّعب عبر مؤسّسات شرعيّة مرضيّة منتخبة!
هذا غيض من فيض من طرق الإبعاد التّدريجي للمجتمع عن المرجعيّة الدّينيّة والّتي وإن كانت لا تظهر نتائجها في المنظور القريب، ولكنّها وخيمة العواقب في منظور الأجيال القادمة.

لماذا يصر البعض على رفض المرجعية الدينية للجزائر؟.. الجزء الأول

تصرّ بعض الأقلام والأصوات الشّاذّة على رفض المرجعيّة الدينيّة للجزائر. وعندما أصفها بالشّاذة، فأنا لا أسبّ ولا أشتم، ولكنّي أصف حالة، فعلى الرّغم من الزّخم الإعلامي الذي توفّره القنوات والمؤسّسات الإعلامية لهذه التّوجّهات، فإنّها قليلة ونادرة إذا ما قورنت بجماهير النّخبة الصّامتة والمغيّبة طوعا أو قسرا.
تصرّ هذه الأصوات والأقلام على تصوير حتميّة الحضارة والتّقدم والمدنيّة في الجزائر على أنّها لا دينية، وإذا قلنا لا دينية، فنحن نقصد طبعا لا إسلاميّة، لأنّ الدّين في الجزائر هو الإسلام بالغالب والغالب جدا. وتكلّمنا كثيرا على أنّ المرجعيّة الإسلاميّة للجزائر لا تعني إقصاء الأديان الأخرى، بل تعني إظهار مكوّن أصيل في الشّخصية الجزائريّة الّذي يحثّ هو أساسا على احترام كلّ المعتقدات وضمان حريّة الممارسة لها. إنّما مقال اليوم عن هذه الفئة التي تحارب هذه المرجعيّة وبطرق للأسف  غير نبيلة البتة.
وأبدأ بأسئلة تحيّرني دائما.. إذا كان الشّعب في غالبيّته مسلما يقرّ بالألوهيّة لله وحده وبرسالة نبيّه صلّى الله عليه وسلم؟ وإذا كان هذا الشّعب يصلّي ويصوم ويزكّي؟ وإذا كان هذا الشّعب يحلف بالله؟ وإذا كان هذا الشّعب يسمِّي الله عند البدء ويحمد الله عند الختم، ويطري النّاس بالبركة والدّعاء؟ وإذا كان هذا الشّعب يبني المساجد، ويثور على من يسرقها أو يخرّبها ويرى في ذلك جرما عظيما؟
إذا كان كلّ ذلك، فلماذا هذا الإصرار على انتزاع هذا المكوّن الّذي هو جزء من شخص كل مواطن وفكره ورأيه؟ ولماذا الإلحاح على الفصل بينه وبين الدّولة والدّولة إنّما هي خادم للشّعب وضامن لهويّته؟ أليس هذا عدوانا على الشّعب ومحاولة بائسة لخلق آلة عديمة اللّون والولاء تسيّر أمور الشّعب بعيدا عن طموحاته واهتماماته؟ أليس في هذا عدوان على أبسط مبادئ الحكم الرّاشد والدّيمقراطيّة القائمة أصلا على أن السّلطة للشّعب؟ أليس في هذا مصادرة لسلطة الشّعب ووصاية عليه؟

عبد الحميد ابن باديس يفتتح دار الحديث بتلمسان

فيديو نادر للعلّامة إبن باديس لسنة 1939 في كلمة ألقاها عندما تسلّم مفاتيح دار الحديث بتلمسان مع العّلّامة البشير الإبراهيمي ....


خير جمعية أخرجت للناس.. في ذكرى التأسيس

يقول أستاذنا محمّد الهادي الحسني عن جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين أنّها خير جمعيّة أخرجت للنّاس، ولعمري قوله سديد وإن كان البعض يرى فيه إطراءا للجمعيّة بما ليس فيها. وأرى أنّ وصفه للجمعيّة هو وصف كامل ودقيق.
بداية الكلام أنّ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين قامت على الخيريّة التّي أقرّها الله تبارك وتعالى للأمّة المحمدية، فهي آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر مومنة بالله ناشرة للإيمان حامية له في ربوع الجزائر المحروسة. فلا جرم أن مقوّمات هذه الخيريّة تنسحب على الجمعيّة وعلى كلّ جمعيّة أخرى تقوم على ما قامت عليه.
وبرجوعنا إلى تاريخنا المعاصر نجد أن الجمعيّة جسّدت وبامتياز ضمير الأمّة ولسان حال أصالتها في وجه الاحتلال البغيض، وخاصّة الأوجه الخفيّة منه. فإذا كانت العسكرة ومصادرة الأراضي وقتل النّاس وتشريد الأهالي ظاهرٌ جرمه للعيان واستعدى بنادق الشّعب وخناجره وقاومه الشّرفاء الأحرار حتى الشّهادة، فإن للاحتلال أوجها خفيّة دسّت السّموم في العسل وكدّرت صفو الماء النّقي الزّلال. فنجده قد بذر بذور العصبيّات العرقيّة والقبليّة والمذهبيّة بأنّ أظهر أنّه يرفع جهة دون جهة وعرقا دون آخر، وقرّب إليه بعض الخونة من هذا الفريق أو ذاك موهما النّاس أنّ كل الفريق معه، واشترى ذمم بعض شيوخ الزّور والزّيف ليصوّروا للنّاس أن فرنسا من قضاء الله ولايسخط على قضاء الله إلا كافر! وفي خضمّ التّجويع والتّرهيب والتّنكيل، ضعفت منابر الحقّ وأُخرصت حناجر العلم.. من هنا انبرت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين فوحّدت الكفاءات المتناثرة عبر ربوع الوطن وجمعت أصوات الحقّ في شُعب وفُروع ونواد، فتعاظم صداها وتعالت حجّتها وقلبت الكفّة إلى صوت الحق وطريق العلم وأنارت سبل الأصالة أمام شعب كاد الاحتلال أن يسلبه لغته ودينه بعد أن سلبه أرضه وماله.. وما هي إلا سنوات حتى أدرك الشّعب من جديد أن فرنسا من قضاء الله، ولكن صوت الرّصاص في أعالي الجبال تحت صيحة الله أكبر هو أيضا من قضاء الله.. ففرّ الشّعب من قضاء إلى قضاء فرارا فيه فخر المقاومة وشرف الجهاد وعز النّصر وغنيمة الشّهادة..
أدام الله جمعيّة العلماء على نهج الأوّلين ورزقها الله نصر المتقدمين.

الجزائر والأمة العربية

ظهرت مؤخرا كائنات قديمة متجدّدة لتعزف على وتر حسبته تمزّق واندثر، وتر من أوتار الاستدمار البغيض، ألا وهو وتر الهويّة العربيّة للجزائر. وهنا ينبغي التّنويه إلى حقائق مهمة تغفل عنها هذه الكائنات أو تتغافل عنها عمدا:
الحقيقة الأولى تتعلّق بالانتماء للأمّة العربيّة بين الحقيقة اللّغويّة والاصطلاح الحضاري. وهنا نقول أن الحقيقة اللّغويّة المبنيّة على العرق والنّسب إلى قبائل العرب الأولى لم يقل بها أحد لا قديما ولا حديثا. فالنّسب الجزائري متمازج بين العرب بقبائلهم وتمازجاتهم  والأمازيغ بقبائلهم وتمازجاتهم أيضا ما ولّد الشّعب الجزائري الذي نعرفه. أمّا الانتماء الحضاري الّذي تُتَوِّجُه اللّغة كلغة للموروث والتّاريخ والتّواصل والعلوم وقبل ذلك للدّين والشّريعة فهذا هو المقصود وهذا الّذي لم ينكره أمازيغيّ قبل حلول اللّعنة الفرنسيّة على هذا البلد. فعلماء البلد وعوامّهم حفظوا القرآن العربي، وألّفوا المؤلّفات بالعربية وحافظوا على اللّغة العربيّة بجانب لغتهم الأصيلة.
الحقيقة الثّانية تتعلّق بالتّعاطي الفريد لهذه الكائنات مع قضية الهويّة محاولين خلق أمّة جزائريّة منفصلة تمام الانفصال عن تاريخها وجذورها العربيّة والإسلاميّة، ماحين بذلك أحقابا من تاريخها وتراثها. وهم مع ذلك يزجون بها ضمن انتماءات ممسوخة للأمّة الاشتراكية العالميّة تارة وللأمّة الفرنكوفونيّة تحت شعار الثّقافة والفنون تارة أخرى.
الحقيقة الثّالثة هي هذا الاختيار المدروس لتوقيت الشّطح، ففي وقت تُرفع فيه لافتات أبناء باديس والدّعوة لقطع الحبل السّري مع فرنسا لاسترداد الهويّة الحقيقية للبلاد، نجد هذه الخرجات الّتي لا ينبني عليها عمل فعلي أو تأثير عملي إلاّ إثارة نقاش حسمه التّاريخ والواقع منذ زمن بعيد.

الشيخ سالم بن ابراهيم.. عن موقع الإذاعة الجزائرية

إنتقل إلى جوار ربه الشيخ العلامة سيدي الحاج سالم بن إبراهيم بأدرار ليلة الإثنين عن عمر ناهز 92 سنة, حسبما علم هذا الثلاثاء من أسرة الفقيد.
و يعد الشيخ الراحل واحدا من أبرز علماء المنطقة الذين كرسوا حياتهم في ملازمة مجالس طلب العلم و تلقين شتى علوم الدين الحنيف بمدرسته القرآنية العامرة بأدرار التي كانت قبلة للطلبة من مختلف جهات الوطن طيلة عقود من الزمن.
و قد عرف الشيخ سيدي الحاج سالم منذ صباه بفطنته ونبوغه الذي مكنه من حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر ليلتحق في مرحلة مراهقته بركب العلم للشيخ العلامة سيدي محمد بلكبير حين افتتح أول مدرسة قرآنية له بمدينة تيميمون سنة 1943، حيث حرص الفقيد سيدي سالم على ملازمة شيخه وحضور كل دروسه التعليمية، حسبما أوضح الباحث والمهتم بسير علماء المنطقة البروفيسور أحمد جعفري من جامعة أدرار.
و نظرا لعلامات التفوق العلمي للشيخ سيدي الحاج سالم و حرصه الشديد في طلب علوم الدين و نبوغه، فقد استقبل الشيخ سيدي محمد بلكبير بكل شغف رغبة سيدي الحاج سالم بانضمامه رسميا إلى مدرسته القرآنية و التي أهلته لخلافة الشيخ بلكبير في مدرسته خلال رحلته الطويلة داخل وخارج الوطن، يضيف ذات المتحدث.
و تبوأ العلامة سيدي الحاج سالم سنة 1950 إمامة جامع سيدي عبد القادر الجيلاني في قلب مدينة أدرار بتوجيه من شيخه سيدي محمد بلكبير وأعيان المنطقة ليعكف فيه على مواصلة حمل شعلة مسيرة التنوير والتعليم للطلبة و إقامة حلقات الدروس الدينية. كما فتح سنة 1954 أول مدرسة داخلية له بمسكنه لإستقبال وفود طلبة العلم و يستمر في تقديم سلسلة دروسه الدينية، و كانت المدرسة نبراسا لتلقين العلم النافع و تكريس النهج الوسطي و صون المرجعية الدينية للوطن في تلك المرحلة عملا بالمنهج التعليمي لشيخه سيدي محمد بلكبير، وفق المصدر ذاته.
و قد تقلد الشيخ الفقيد سيدي الحاج سالم بن إبراهيم عدة مهام في سلك الشؤون الدينية والأوقاف ترقى فيها من معلم للقرآن الكريم إلى رتبة إمام مدرس ثم مفتش للشؤون الدينية ومفتش جهوي للشؤون الدينية لولايات أدرار وبشار و تندوف ثم ناظرا للشؤون الدينية إلى أن انتسب إلى عضوية المجلس الإسلامي الأعلى، حيث لم يشغله ذلك عن الإستمرار في واجباته التعليمية ليكسب بذلك قلوب واحترام الكثيرين من طلبته و مريديه من داخل وخارج الوطن.
و ستقام جنازة الفقيد أمسية  هذا الأربعاء بمسجد الشيخ سيدي محمد بلكبير بمدينة أدرار.